وهبة الزحيلي

292

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

وهو الظاهر العالي فوق كل شيء ، الغالب على كل شيء ، والباطن العالم بما بطن ، ولا تعرف العقول ذاته على حقيقتها ، ولا تدركه الحواس ، وهو ذو علم تام بكل شيء ، لا يعزب عن علمه شيء من المعلومات . روى مسلم في صحيحة عن أبي هريرة أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « اللهم أنت الأول ، فليس قبلك شيء ، وأنت الآخر فليس بعدك شيء ، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء ، وأنت الباطن ، فليس دونك شيء ، اقض عنا الدين ، وأغننا من الفقر » . هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ، ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ أي اللّه الذي أوجد وأبدع السماوات والأرض في أيام ستة اللّه أعلم بمقدارها ، وفي ستة أطوار مختلفة ، وهو القادر على خلقها في لحظة ، ولكن هذا العدد لتعليم العباد التأني والتثبت في الأمور ، ثم استوى على العرش أي الكرسي استواء يليق به ، على نحو يريده ، مما لا يعلم به إلا هو ، وهذا رأي السلف ، وهو الأولى احتياطا ، ورأي الخلف تأويل الاستواء على العرش بتدبير الأمر وتفصيل الآيات والاستيلاء على مقاليد السلطة . يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها ، وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها أي يعلم كل شيء ، يدخل في الأرض من مطر وأموات وغير ذلك ، ويخرج منها من نبات وزرع وثمار ومعادن وغيرها ، وما ينزل من السماء من مطر وملائكة وغير ذلك ، وما يصعد إلى السماء من الملائكة وأعمال العباد الصالحة والسيئة ، والدعوات ، والأبخرة المتصاعدة ونحو ذلك ، جاء في الحديث الصحيح : « يرفع إليه عمل الليل قبل النهار ، وعمل النهار قبل الليل » . ونظير الآية : وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ ، وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ، وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها ، وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ ، وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ [ الأنعام 6 / 59 ] .